

“تختلف الآراء حول موضوع واحد”
صمت وهدوء يسودان المكان …
هناك نوع من السكينة والطمأنينة في الأجواء …
طبيعة الشتاء أحيانا تفرض هذا النوع من الهدوء …
فجأة!! يصدح رنين يعكر صفو هذا الهدوء. منبه الجوال يوقظ بطل هذه القصة من سبات لم يدم طوبلا ..
الساعة تشير إلى السابعة صباحا..
ينظر بطلنا إلى الجوال بحسرة، يتمنى لو أن هناك خطأ ما، ولكنه حان موعد الإستيقاظ
يطفئ المنبه بتثاقل وكسل …
بطل قصتنا اسمه زياد، شاب في أوائل العشرينيات، حديث عهد بتخرج من الجامعة. يعمل لدى شركة في مجال أمن المعلومات وتقنية الإتصالات. عمله يفرض عليه السفر المتعدد، حيث أن مجال التقنية والإتصالات يفرضان عليه البحث عن آخر التكنلوجيا وآخر البحوث وبراءات الإختراع في تلك المجالات.
ينهض من فراشه الدافئ ليبدأ طقوسه اليومية إستعدادا للذهاب إلى العمل ..
استحمام يدوم أكثر من نصف ساعة تحت المياه الحارة، لا يريد الخروج، وهل يلام؟ فالماء الدافئ أحب للنفس من برد الأروقة بالخارج…
يخرج وينظر إلى نفسه في المرآة حاملا بيمينه شفرة الحلاقة وقد ملأ ذقنه بالرغوة …
“يبدو أنه سيكون يوما طوبلا” يقولها بعدما تنهد …
يستمر بالنظر إلى المرآة ويقول “ياللقبح! لماذا أزعج نفسي بالحلاقة؟ لا أعتقد بأنها ستغير شيئا”
كان بطلنا دائم الإنتقاد لهيئته، غير محب لشكله، ينتقص من مظهره بشكل مستمر، على الرغم من أنه حسن المنظر، يعتبر في كثير من الأوساط وسيم نوعا ما ، ولكن هذه طبيعة زياد …
يدخل غرفته ويلبس ثوبه الشتوي ، ثوب مصنوع من الصوف الكشميري داكن اللون ، محاك بدقة إلى آخر ضربة إبرة، يحب بطلنا الدقة في الأداء …
يحمل عصاه ليتكئ عليها، عصا سوداء رفيعة أعلاها مقبض دائري فضي اللون. حصل زياد على هذه العصا بعد إصابة في كاحله جرّاء ممارسته للرياضة التي يعشقها كثيرا، رياضة كرة القدم. ويرفض زياد تسميتها لعبة بل هي رياضة ، يرى بأنها تجمع مابين روح المنافسة والروح الرياضية، ومابين التخطيط الإستراتيجي والجهد البدني الكبير . ينتشي على صوت زئير الجمهور العالي عند تسجيل هدف. رياضة لايمارسها سوى من هو أهل لها، أو هكذا يعتقد …
والحقيقة أن الأطباء عرضوا عليه أن يستعمل العكاز الطبي لمساعدته على المشي، ولكنه رأى أن العكاز غير ملائم وآثر أن يأخذ تلك العصا السوداء الرفيعة ذات المقبض الفضي لما يجد فيها من الأناقة والتميز …
الساعة التاسعة صباحا …
يصل إلى مقر عمله ولاتزال آثار النوم تكسو وجهه. يتجه نحو غرفة الإستراحة لشرب شاي الصباح مع زملاء العمل …
زياد: السلام عليكم، كيفكم هذا الصباح؟
المجموعة: وعليكم السلام ورحمة الله، يا أهلا وسهلا بالأستاذ زياد.
زياد: ما جديدكم هذا اليوم؟
بندر: لاجديد، عمل كالعادة. أوراق تحتاج لتوقيع، أنظمة تحتاج لتغيير، ومدراء لايعجبهم شيء ولانحصل على أي تقدير.
يضحك زياد وهو يستمع لمقولة بندر التي أشتهر بقولها كل صباح …
الجدير بالذكر أن هذه الإستراحة تعرض على تلفازها قناة إخبارية، وهذه القناة هي ما يسيّر أحاديث ونقاشات المجموعة، فلو كان الخبر عن البورصة كان الجدال عن المال والأعمال وأسعار العملة. ولو كان الخبر سياسيا أصبح الجميع محلل سياسي من الطراز الأول وبدأو يتكلمون عن الوضع الراهن الذي لايستطيعون تغييره بألسنتهم، ولكن لاضير من الإدلاء بالرأي أليس كذلك؟
ولكن على غير العادة كان خبر اليوم عن الزواج في الثقافات المختلفة حول العالم، وكيف أن مراسم حفل الزفاف يختلف من ثقافة لأخرى …
نظر بندر لزياد وكان قبل أن يبدأ حديثه عرف زياد بم سينطق به زميله …
بندر: ها يازياد؟ متى ستتزوج؟
ينظر زياد إلى ساعته ويقول: بعد قليل، أنتهي من كوب الشاي وأتزوج.
بندر: ماشاء الله، بهذه السرعة؟ يقولها بنبرة ساخرة
زياد: لقد تناقشنا في هذا الموضوع أكثر من مرة، لا أدري لِمَ كل هذا الإهتمام بالموضوع؟!
بندر: نريدك أن تتزوج يا أخي!
زياد: تريدونني؟! من أنتم؟ ولماذا أصبح هذا هو السؤال الدارج هذه الأيام؟
بندر: الزواج فيه بركة وإستقرار.
زياد: أعرف! أعرف كل هذا!! أنا لم أقل أنني لن أتزوج، ولكن لا أدري لماذا تسألني نفس السؤال كل يوم؟
بندر: لا تغضب ياعزيزي، إني لا أرى مشكلة في سؤالي لك.
زياد: ليست هناك مشكلة في السؤال، ولكن المشكلة تكمن إذا تكرر هذا النقاش وأصبح منوالا يوميا! والمشكلة أيضا إذا أصبح كل من هب ودب يناقش هذا الموضوع بكل عَرَضيه.
بندر: سأزوجك بإذن الله لكي لا يسألك أحد مرة أخرى. يقولها ضاحكا.
ينهض زياد منزعجا من هذا النقاش اليومي حاملا كوب الشاي بيمينه وعصاه بشماله مخلفا وراءه سلسلة من الهمسات والضحكات الساخرة.
يتجه إلى مكتبه ويجلس محاولا تهدئت نفسه، ينظر إلى شاشة الحاسوب وهي سوداء. يرى إنعكاس وجهه على الشاشة ويبدأ بالإبحار داخل جدران عقله ويبدأ بالخوض في بحور التساؤولات:
ما كل هذا الإنزعاج الذي ينتابني عندما اُسأل هذا السؤال؟ هل لكثرة السائلين؟ هل لأنهم يخوضون في هذا النقاش والجدال بكل عرضية وبساطة ولا يعرفون مدى أهمية وحساسية الموضوع؟ أم لأنهم فقط يسألون لمجرد تقضية الوقت والتسلية والترويح عن النفس؟
ولِمَ يختلف جوابي عند كل مرة؟ تارة أقول “يكتب الله خير” وتارة أخرى أقول “قريبا إن شاء الله” وعندما أكون عالي المزاج أقول “متزوج ولدي ثلاثة أولاد وأبحث عن الثانية” وأحيانا أخرى أكون غليظا وأرد قائلا “موضوع كهذا ليس من شأنك أن تسألني عنه”
لماذا الموضوع عندي بهذه الحساسية؟ هل أنا أعطيه أكبر من حجمه؟ أم أنني أوليه إهتماما يستحقه وأغضب عندما يستخف ويقلل الآخرون من حجمه عندما يتسلون بأسئلتهم المستفزة. حمقى! أغبياء! متحذلقون ومستفزون!!
في هذه اللحظة يمر بندر من أمام مكتبه حاملا ملف أوراق، ينظر إلى زياد بإبتسامة خبيثة ويقول: “سأزوجك يازياد لاعليك!” ويرد زياد “عزيزي بندر، أرجو أن لاتتكلم فيما لاتعقل وإلا جعلت هذه العصا أقرب صديق لك”
يهدأ قليلا ثم يكمل مسيره داخل أسوار عقله المثقل … قائلا:
من جهة أخرى توجد هناك تلك الفئة الصغيرة جدا من الأشخاص الذين أود لو يسألوني هذا السؤال، أحب أن أخوض معهم في نقاش هذا الموضوع ، أود أن أشرح نفسي لهم، أريد أن أعبر عن نفسي ورأيي لديهم، أريد أن أسمع رأيهم في الموضوع ، ولكنهم لا يسألون …
الحقيقة بأن زياد يقصد شخصًا بعينه عندما يقول “فئة”، يقصد شخص أحبه من أعماق قلبه ، شخص يعني له الكثير، أو بالأحرى “تعني” له الكثير …
هنا يأتي مدير زياد مقاطعا سير أفكاره وتساؤولاته قائلا: “زياد، أريدك أن تحل محلي اليوم في إجتماع مجلس الإدارة. سيقيمونه في قاعة المؤتمرات في الفندق المعتاد ، لدي عمل طارئ يجب أن أقوم به”
يومئ زياد برأسه مبتسم لمديره ويقول: “حسن سأذهب ، مع أنني لا أحب هذه الإجتماعات ، إنها تأخذ وقتا اطول مما يجب”
يأخذ زياد عصاه وأوراقه ويذهب إلى سيارته متجها نحو الفندق لحضور الإجتماع …
في الطريق يقف عند إشارة المرور ولايزال يفكر بالموضوع الأزلي للزواج. ينظر عن يمينه ويجد سيارة بيضاء فيها رجل وزوجته يتجاذبان أطراف الحديث، ويبدو أنهما يقضيان وقتا جميلا مع بعضهما ..
ينظر زياد إلى عينيه في مرآة السيارة وتملأ نفسه أحاسيس الغبطة، ثم يسأل نفسه: “لماذا لاتتزوج؟ مالمانع؟ ماذا يمنعني من الإستمتاع بحياتي مع شريكة أحبها وتحبني؟”
وهنا تذكر كل مخاوفه ، جاءته كصفعة قوية أيقظته من أحلامه …
ماذا لو لم تنجح تجربة الزواج؟ ماذا لو لم نتفق أنا و شريكة حياتي؟ ماذا لو لم أكن مستعد لتحمل المسؤولية؟ ماذا لو كنا مختلفين عن بعضنا كثيرا؟ أو الأسوء .. ماذا لو لم تحبني ؟؟؟
يبدو وأن بطلنا سبق وأن مر بتجربة أثّرت على قدرته على التفكير بوضوح، وكأنها أعاقت أو أقعدت نظرته للموضوع بعقلانية. أصبحت لديه كل هذا التخوفات التي لم تكن موجودة من قبل.
ينظر بطلنا العاطفي مرة أخرى إلى عينيه في مرآة السيارة، وقد ملأته أحاسيس التناقض ويقول:
“متى ستتزوج؟ يبقى سؤال الموسم حتى إشعار آخر …”
