oW5E9lxRrgywhwloFcecRyPCo1_500

“تختلف الآراء حول موضوع واحد”

صمت وهدوء يسودان المكان …

هناك نوع من السكينة والطمأنينة في الأجواء …

طبيعة الشتاء أحيانا تفرض هذا النوع من الهدوء …

فجأة!! يصدح رنين يعكر صفو هذا الهدوء. منبه الجوال يوقظ بطل هذه القصة من سبات لم يدم طوبلا ..

الساعة تشير إلى السابعة صباحا..

ينظر بطلنا إلى الجوال بحسرة، يتمنى لو أن هناك خطأ ما، ولكنه حان موعد الإستيقاظ

يطفئ المنبه بتثاقل وكسل …

بطل قصتنا اسمه زياد، شاب في أوائل العشرينيات، حديث عهد بتخرج من الجامعة.  يعمل لدى شركة في مجال أمن المعلومات وتقنية الإتصالات. عمله يفرض عليه السفر المتعدد، حيث أن مجال التقنية والإتصالات يفرضان عليه البحث عن آخر التكنلوجيا وآخر البحوث وبراءات الإختراع في تلك المجالات.

ينهض من فراشه الدافئ ليبدأ طقوسه اليومية إستعدادا للذهاب إلى العمل ..

استحمام يدوم أكثر من نصف ساعة تحت المياه الحارة، لا يريد الخروج، وهل يلام؟ فالماء الدافئ أحب للنفس من برد الأروقة بالخارج…

يخرج وينظر إلى نفسه في المرآة حاملا بيمينه شفرة الحلاقة وقد ملأ ذقنه بالرغوة …

“يبدو أنه سيكون يوما طوبلا” يقولها بعدما تنهد …

يستمر بالنظر إلى المرآة ويقول “ياللقبح! لماذا أزعج نفسي بالحلاقة؟ لا أعتقد بأنها ستغير شيئا”

كان بطلنا دائم الإنتقاد لهيئته، غير محب لشكله، ينتقص من مظهره بشكل مستمر، على الرغم من أنه حسن المنظر، يعتبر في كثير من الأوساط وسيم نوعا ما ، ولكن هذه طبيعة زياد …

يدخل غرفته ويلبس ثوبه الشتوي ، ثوب مصنوع من الصوف الكشميري داكن اللون ، محاك بدقة إلى آخر ضربة إبرة، يحب بطلنا الدقة في الأداء …

يحمل عصاه ليتكئ عليها، عصا سوداء رفيعة أعلاها مقبض دائري فضي اللون. حصل زياد على هذه العصا بعد إصابة في كاحله جرّاء ممارسته للرياضة التي يعشقها كثيرا، رياضة كرة القدم. ويرفض زياد تسميتها لعبة بل هي رياضة ، يرى بأنها تجمع مابين روح المنافسة والروح الرياضية، ومابين التخطيط الإستراتيجي والجهد البدني الكبير . ينتشي على صوت زئير الجمهور العالي عند تسجيل هدف. رياضة لايمارسها سوى من هو أهل لها، أو هكذا يعتقد …

والحقيقة أن الأطباء عرضوا عليه أن يستعمل العكاز الطبي لمساعدته على المشي، ولكنه رأى أن العكاز غير ملائم وآثر أن يأخذ تلك العصا السوداء الرفيعة ذات المقبض الفضي لما يجد فيها من الأناقة والتميز …

الساعة التاسعة صباحا …

يصل إلى مقر عمله ولاتزال آثار النوم تكسو وجهه. يتجه نحو غرفة الإستراحة لشرب شاي الصباح مع زملاء العمل …

زياد: السلام عليكم، كيفكم هذا الصباح؟

المجموعة: وعليكم السلام ورحمة الله، يا أهلا وسهلا بالأستاذ زياد.

زياد: ما جديدكم هذا اليوم؟

بندر: لاجديد، عمل كالعادة. أوراق تحتاج لتوقيع، أنظمة تحتاج لتغيير، ومدراء لايعجبهم شيء ولانحصل على أي تقدير.

يضحك زياد وهو يستمع لمقولة بندر التي أشتهر بقولها كل صباح …

الجدير بالذكر أن هذه الإستراحة تعرض على تلفازها قناة إخبارية، وهذه القناة هي ما يسيّر أحاديث ونقاشات المجموعة، فلو كان الخبر عن البورصة كان الجدال عن المال والأعمال وأسعار العملة. ولو كان الخبر سياسيا أصبح الجميع محلل سياسي من الطراز الأول وبدأو يتكلمون عن الوضع الراهن الذي لايستطيعون تغييره بألسنتهم، ولكن لاضير من الإدلاء بالرأي أليس كذلك؟

ولكن على غير العادة كان خبر اليوم عن الزواج في الثقافات المختلفة حول العالم، وكيف أن مراسم حفل الزفاف يختلف من ثقافة لأخرى …

نظر بندر لزياد وكان قبل أن يبدأ حديثه عرف زياد بم سينطق به زميله …

بندر: ها يازياد؟ متى ستتزوج؟

ينظر زياد إلى ساعته ويقول: بعد قليل، أنتهي من كوب الشاي وأتزوج.

بندر: ماشاء الله، بهذه السرعة؟ يقولها بنبرة ساخرة

زياد: لقد تناقشنا في هذا الموضوع أكثر من مرة، لا أدري لِمَ كل هذا الإهتمام بالموضوع؟!

بندر: نريدك أن تتزوج يا أخي!

زياد: تريدونني؟! من أنتم؟ ولماذا أصبح هذا هو السؤال الدارج هذه الأيام؟

بندر: الزواج فيه بركة وإستقرار.

زياد: أعرف! أعرف كل هذا!! أنا لم أقل أنني لن أتزوج، ولكن لا أدري لماذا تسألني نفس السؤال كل يوم؟

بندر: لا تغضب ياعزيزي، إني لا أرى مشكلة في سؤالي لك.

زياد: ليست هناك مشكلة في السؤال، ولكن المشكلة تكمن إذا تكرر هذا النقاش وأصبح منوالا يوميا! والمشكلة أيضا إذا أصبح كل من هب ودب يناقش هذا الموضوع بكل عَرَضيه.

بندر: سأزوجك بإذن الله لكي لا يسألك أحد مرة أخرى. يقولها ضاحكا.

ينهض زياد منزعجا من هذا النقاش اليومي حاملا كوب الشاي بيمينه وعصاه بشماله مخلفا وراءه سلسلة من الهمسات والضحكات الساخرة.

يتجه إلى مكتبه ويجلس محاولا تهدئت نفسه، ينظر إلى شاشة الحاسوب وهي سوداء. يرى إنعكاس وجهه على الشاشة ويبدأ بالإبحار داخل جدران عقله ويبدأ بالخوض في بحور التساؤولات:

ما كل هذا الإنزعاج الذي ينتابني عندما  اُسأل هذا السؤال؟ هل لكثرة السائلين؟ هل لأنهم يخوضون في هذا النقاش والجدال بكل عرضية وبساطة ولا يعرفون مدى أهمية وحساسية الموضوع؟ أم لأنهم فقط يسألون لمجرد تقضية الوقت والتسلية والترويح عن النفس؟

ولِمَ يختلف جوابي عند كل مرة؟ تارة أقول “يكتب الله خير” وتارة أخرى أقول “قريبا إن شاء الله” وعندما أكون عالي المزاج أقول “متزوج ولدي ثلاثة أولاد وأبحث عن الثانية” وأحيانا أخرى أكون غليظا وأرد قائلا “موضوع كهذا ليس من شأنك أن تسألني عنه”

لماذا الموضوع عندي بهذه الحساسية؟ هل أنا أعطيه أكبر من حجمه؟ أم أنني أوليه إهتماما يستحقه وأغضب عندما يستخف ويقلل الآخرون من حجمه عندما يتسلون بأسئلتهم المستفزة. حمقى! أغبياء! متحذلقون ومستفزون!!

في هذه اللحظة يمر بندر من أمام مكتبه حاملا ملف أوراق، ينظر إلى زياد بإبتسامة خبيثة ويقول: “سأزوجك يازياد لاعليك!” ويرد زياد “عزيزي بندر، أرجو أن لاتتكلم فيما لاتعقل وإلا جعلت هذه العصا أقرب صديق لك”

يهدأ قليلا ثم يكمل مسيره داخل أسوار عقله المثقل … قائلا:

من جهة أخرى توجد هناك تلك الفئة الصغيرة جدا من الأشخاص الذين أود لو يسألوني هذا السؤال، أحب أن أخوض معهم في نقاش هذا الموضوع ، أود أن أشرح نفسي لهم، أريد أن أعبر عن نفسي ورأيي لديهم، أريد أن أسمع رأيهم في الموضوع ، ولكنهم لا يسألون …

الحقيقة بأن زياد يقصد شخصًا بعينه عندما يقول “فئة”، يقصد شخص أحبه من أعماق قلبه ، شخص يعني له الكثير، أو بالأحرى “تعني” له الكثير …

هنا يأتي مدير زياد مقاطعا سير أفكاره وتساؤولاته قائلا: “زياد، أريدك أن تحل محلي اليوم في إجتماع مجلس الإدارة. سيقيمونه في قاعة المؤتمرات في الفندق المعتاد ، لدي عمل طارئ يجب أن أقوم به”

يومئ زياد برأسه مبتسم لمديره ويقول: “حسن سأذهب ، مع أنني لا أحب هذه الإجتماعات ، إنها تأخذ وقتا اطول مما يجب”

يأخذ زياد عصاه وأوراقه ويذهب إلى سيارته متجها نحو الفندق لحضور الإجتماع …

في الطريق يقف عند إشارة المرور ولايزال يفكر بالموضوع الأزلي للزواج. ينظر عن يمينه ويجد سيارة بيضاء فيها رجل وزوجته يتجاذبان أطراف الحديث، ويبدو أنهما يقضيان وقتا جميلا مع بعضهما ..

ينظر زياد إلى عينيه في مرآة السيارة وتملأ نفسه أحاسيس الغبطة، ثم يسأل نفسه: “لماذا لاتتزوج؟ مالمانع؟ ماذا يمنعني من الإستمتاع بحياتي مع شريكة أحبها وتحبني؟”

وهنا تذكر كل مخاوفه ، جاءته كصفعة قوية أيقظته من أحلامه …

ماذا لو لم تنجح تجربة الزواج؟ ماذا لو لم نتفق أنا و شريكة حياتي؟ ماذا لو لم أكن مستعد لتحمل المسؤولية؟ ماذا لو كنا مختلفين عن بعضنا كثيرا؟ أو الأسوء .. ماذا لو لم تحبني ؟؟؟

يبدو وأن بطلنا سبق وأن مر بتجربة أثّرت على قدرته على التفكير بوضوح، وكأنها أعاقت أو أقعدت نظرته للموضوع بعقلانية. أصبحت لديه كل هذا التخوفات التي لم تكن موجودة من قبل.

ينظر بطلنا العاطفي مرة أخرى إلى عينيه في مرآة السيارة، وقد ملأته أحاسيس التناقض ويقول:

“متى ستتزوج؟ يبقى سؤال الموسم حتى إشعار آخر …”

clip_image001

“الغوص في أعماق العقل النرجسي يبدأ بكوب من القهوة”

صباح يوم الخميس وكعادة الصديقان زياد وفارس يتقابلان في مقهاهم المعتاد مرة واحدة في الأسبوع، وقدا إختارا أن يكون صباح الخميس نظرا لإنشغالهم بأمور الحياة بقية أيام الأسبوع، ولأن الصباح له تأثير جميل على النفس خصوصا إذا صاحب ذلك كوب من القهوة.

إختارا مقهى له فناء جميل محاط بسياج قصير أسود اللون مملوء بشجيرات صغيرة في أركانه. قهوتهم دائما طازجة يفوح منها عبق البن الأصيل. الكراسي من خشب السندان والوسادات مخملية، مليء باللوحات للفن التشكيلي، جدرانه لها ألوان فاتحة لتهدئة الأعصاب، طاولاته مستديرة وتتوسط كل واحدة منها طفاية سجائر ومزهرية بها ورد يقطف يوميا من فناء المقهى. وكان من عادة مدير المقهى (ثامر) أن يفتح مقهاه في الصباح على ألحان فيروز، وجاءت هذه الفكرة عندما كان فارس يتردد على المقهى كثيرا وأقترح على المدير أن يضيف إلى الأجواء نوعا من الحس والذوق الفني، ولطالما كان فارس من أشد المعجبين بفيروز. وكان ثامر مهتم بمظهره وذلك لأن عمله يتطلب ذلك حيث أنه واجهة المقهى. كان ثامر طويل القامة، شعره قصير، يلبس قميص أبيض ذو أكمام طويلة وربطة عنق سوداء، مبالغ في إهتمامه بشواربه الرفيعة. وكان يمازحه فارس دائما يقول: لو انك تهتم بمقهاك بقدر إهتمامك لشواربك لكان أفضل مقهى على الإطلاق.

الساعة الثامنة صباحا،

أهلا زياد!! قالها فارس وهو مبتسم إبتسامة فرحة كعادته للقاء صاحبه، لطالما كان فارس خفيف الظل سهل وطيب المصاحبه والمعشر، متفائل وفرح على عكس صاحبه زياد الذي دائما تثقل كلماته الشؤوم والإكتئاب.

كان زياد إنسان يهتم كثيرا بالتفاصيل الصغيرة، لايخرج من المنزل حتى يتأكد من أن كل مظهره متناسق وبترتيب محدد، الشعر ممشوط إلى الخلف، الساعة الفضية والقلم الفضي والخاتم الفضي، نعم لابد من التناسق. المحفظة في الجيب الأيمن والجوال بالجيب الأيسر، وكأنه يعاني من وسواس من نوع ما. أما فارس فلم يكن يهتم كثيرا لتلك الأشياء، يضع على عاتق الهواء مسؤولية تسريح شعره، وأما أغراضه الشخصية فهي من كل لون، لاترتيب معين في كيفية وضعها، المهم هو الخروج من المنزل والإنطلاق للحياة.

كيفك اليوم؟ أراك كعادتك ياصاحبي مهموم! مابك؟

إبتسم زياد وقال دعنا نطلب قهوتنا ونجلس داخل المقهى ولنتحدث هناك.

حسن، لك ذلك.

طلب زياد قهوة تركية أما فارس فلأنه الطرف الأقل جدية  فطلب عصير الليمون.

يا أخي لا أدري كيف تتحمل طعم القهوة المرة! جرّب شيئا آخر، أخرج عن روتينك هذا! عش قليلا.

جلس الصديقين على طاولة عند النافذة تطل على فناء المقهى وعلى الشارع، وكان هذا إختيار فارس، ذلك لأنه يحب أن يداعب نور الشمس وجهه، ويحب أيضا رؤية الناس. ولو كان الأمر لزياد لكان إختار أن يجلس في زاوية المقهى حيث الإنارة خفيفة والطاولة بعيدة عن التجمعات وضوضاء الأحاديث.

بعد الكلام المعتاد المبتذل الذي يقال عند كل لقاء من ترحيب وتسليم ومجاملات والسؤال عن العمل والأهل والأصدقاء، نظر فارس إلى صاحبه وقال حسن، هات ماعندك، ماذا لديك هذا الأسبوع؟ أفرغ علي بمايجول بخاطرك!

ولكن زياد كان منشغلا بمتابعة مايجري على الطاولات المجاورة. على تلك الطاولة رجل في الأربعينات يقرأ الصحيفة ومتمعق في قسم المال والأعمال وعلى وجهه ملامح الجدية، ربما كان من أصحاب الملايين ويتحتّم عليه متابعة كل مايجري بالسوق والبورصة. وعلى الطاولة الأخرى مجموعة من الشبان يتجاذبون الأحاديث حول الفنانين والفنانات وآخر الموضات والسيارات، والطاولة التي بعدها مجموعة أخرى من الشبان ذوي هيئات غريبة، شعر طويل ليس منسدل وإنما يبدو كشجرة كثيفة فوق رؤوسهم (آفرو) يطلقون عليها كما أعتقد، هندام غير مرتب، قمصان صارخة الألوان ضيقة مليئة بالكلمات والكتابات والرسومات، بناطيل ممزقة تنزل عن الحد المعتاد للبنطلون ويظهر جزء كبير من ملابسهم الداخلية، أهذا مايلبسه الشباب هذه الأيام؟؟ تملأ أيديهم وسواعدهم الكثير من الإكسسورات من خواتم وربطات غريبة، ويبدو أن الأمر وصل لحد وضع تمائم وسلاسل على أعناقهم. ويبدو بأن لديهم هوس الموضة والتصاميم العالمية، يكاد أحدهم أن يحفر اسم مصممه المفضل أو ماركته المفضلة على جبينه! يستحيل أن يخرج من البيت إلا وكل مايرتدي من تصميم شخص ذو إسم غريب! يدخنون السجائر بشراهة وكأنهم في تحدي من يكمل علبة السجائر قبل الآخر أو من يستطيع إخراج أكبر سحابة دخان. ويتحدثون باللغة الإنجليزية أو بالأحرى يتصنعون التكلم بها، أكاد أجزم بأنهم لا يتقنونها ولكن تعلموا بعض الكلمات من الأفلام والمسلسلات ولا يفهمون معناها، ينطقون الكلمة بطريقة مضحكة ويستخدمونها في غير موضعها، يكاد يقتلهم التصنع والحاجة للتظاهر وإعجاب الآخرين من حولهم. ياللهمجية!! وكانوا هؤلاء الفئة بالنسبة لزياد هم الأعداء، ففي إعتقاده أنهم ينتهكون حرمة الذوق العام وأيضا يعتدون على عرض المنطق والعقل.

تكاد تسمع صوت زئير ثائر تحت أنفاس زياد، عيناه يتطاير منها الشرر، أنفاسه تملؤها شحنات من اللهب، ينظر بكل قسوة وإحتقار إلى تلك المجموعة من الشباب.

هيه!! زياد أين ذهبت؟؟ سألتك ماذا بك؟؟

نظر زياد إلى صاحبه وإبتسم إبتسامة ساخرة وقال:

ألم تلاحظ مجموعات الشباب على الطاولات المجاورة؟

بلى رأيتهم ماذا بهم؟

ألم تجد شيئا مشتركا بينهم ؟ وبين معظم الشبان في كل مقهى ذهبنا إليه؟ بل وكل الشبان الذين نعرفهم؟!

آه يا زياد، عطني مالديك.

ياللسخافة، ضعفاء فكر، منطقهم سخيف، أحاديثهم مضجرة، همومهم ضئيلة، أفكارهم باطلة وسخيفة وهمجية. يا لهم من أناس متصنعون مزيفون. ليس لهم شخصية محددة، وإنما يقلدون مايرونه على التلفاز. أغبياء غوغائيون!! هل من المعقول ألا توجد مرآة واحدة في منزل أحد منهم؟ كيف يخرج من بيته بكل وقاحة وبجاحة وهو على هذا المنظر؟ ألا يدرك مدى غباء مظهره؟ إنه لشيء يؤذي العين ويؤلم العقل!! تافهون!! يعتقدون أنهم أصبحوا أكثر تحضرا وإنفتاحية. سذّج!! ولا يقف الموضوع عند هذا الحد، بل إنهم يتحاورون بلغة لايتقنونها ولايحسنون إستخدامها!!

لم يستطيع زياد أن يكبح جوامح ثورته عند رؤيته لأعداء الفكر والمنطق. بل إنه يمطر عليهم بوابل من الكلمات التي تدل على كرهه وإحتقاره لهم. كان يتمنى لو أن له سلطة عليهم كي يستطيع تشكيلهم على هواه وفكره. ولكن السؤال الأهم، هل يلام زياد على هذه العنجهية والثورة ضد هذه الفئة؟ زياد من النوع التقليدي المتحفظ، ولكن أليس يبالغ أحيانا؟

حاول فارس تهدئة صاحبه. لا تتسرع بالحكم عليهم ياصاحبي. فإنك لا تدري مايجري بعقولهم!

عقول؟ أي عقول تتكلم عنها؟ هؤلاء مجرد أوهام عقول، كالرصاص الخالي من البارود، موجود ولكن لا فائدة منه. أكبر همهم هو ماسيأكله على الغداء وأين سيأكل ومن سيقابل وماذا يلبس! حبهم للمظاهر يكاد يقتلهم.

هنا قاطعهم نادل المقهى وأحضر قهوة زياد التركية وعصير الليمون لفارس. وأستغل فارس هذه اللحظة كي يغير الموضوع ويشتت إنتباه زياد كي لايعود إلى هذه الأفكار. أخذ فارس رشفة من عصيره وقال كم هو لذيذ عصيرهم، يعرفون كيف يحسبون بدقة نسبة السكر والماء والليمون. كيف تجد قهوتك يازياد؟ إسترسل فارس في الأحاديث الجانبية (التافهة في إعتقاد زياد) وبدأ يتكلم عن أحوال الطقس والعمل والمنزل وآخر الأفلام السينمائية.

فارس!! دعك من هذه التفاهات ولنرتقي بفكرنا، لا أريد لأحاديثنا أن تكون فارغة مثل أحاديث أوهام العقول الذين يشغلون حيزا من الفضاء دون أي فائدة تذكر.

هنا بدأ زياد بفتح أبواب عقله وسكب كل أفكاره على فارس المسكين.

سئمت من معايشة أفكار الغير وإيهامهم بأن أفكارهم تعني لي شيئا، لا أحد يفهمني ولا أفكارهم تهمني. إلى متى وأصحاب الفكر يعانون من الوحدة والعزلة؟؟  إلى متى ونحن نعيش تحت ظلال رعاع الفكر وحثالة الرأي؟؟ تعبت من عزلة الفكر … سئمت من الوحدة … مللت من عدم إمكانية وجود أحد يفهمني. ولكن هذه هي الحقيقة المرة، سنبقى نحن رواد الفكر تحت مظلة الأغبياء. ولكن مالحل ياترى؟

حاول فارس أن يحاور زياد ولكن دون جدوى، وكأن زياد تعمق داخل عقله فأصبح يسأل نفسه ويجاوب نفسه. جلس فارس مدهوشا ومستسلما ينظر إلى صاحبه وهو يحاور عقله.

ويكمل زياد محادثته مع عقله: ماهو الحل لهذه المصيبة التي أعاني منها أنا وإخوتي عمالقة الفكر الكبير؟؟ هل قراءة الكتب تجدي نفعا؟ نعم أعتقد ذلك، سأغرق في طيات الكتب فلن يفهمني إلا من كان أرقى مني فكرا. ولكن ماذا عن أفكاري أنا؟ لابد من كتابتها، نعم لابد!!! سأسكب أفكاري على ورق ، لعلني أجد نفسي أفهم نفسي!! سأكتب بفوضاوية بلا نمط بلا عقلانية، أكتب مايأتي في رأسي مباشرة، لا أفكر مرتين، فقط أكتب!! سأدع المجال للورق فلها آذان صاغية، والورق بالنسبة لي أفضل من أكثر الناس لأنها تسمع وتتفهم ولاتعترض.

تنهد فارس بعمق ثم حمل عصيره ووقف محاولا جذب إنتباه زياد، ومحاولا إخراجه من الجو السوداوي المعتم الذي هو فيه.

هيا يازياد، دعنا نجلس في الفناء هذه المرة، لقد سئمت من الجلوس بالداخل، أريد أن أستنشق الهواء وأرى الشمس. كما أن دخان السجائر أثقل على صدري وكتم أنفاسي. لا أدري كيف يتحمل المدخنون هذه العادة المميتة؟! أليس من الغباء أخذ التدخين كعادة؟؟ لا علينا، المهم دعنا نجلس في الخارج.

ذهب الصديقان إلى الجلسات الخارجية، كان الجو ربيعيا جميلا، نسمات الهواء خفيفة وعليلة، عبق الورد يملأ فناء المقهى.

صرخ فارس قائلا: أليس الجلوس في الخارج أفضل؟؟ أحس بأنني أتنفس الهواء النقي المنعش بدلا من الجو الخانق بالداخل.

ولكن زياد كان منشغل البال والفكر. فشد فارس على كتفه بقوة ونظر في عينيه وقال: زياد!!! لم تكن بهذه الحال من قبل!! ماذا حدث لك؟ لِمَ كل هذه السوداوية والنرجسية والغرور؟؟

الجدير بالذكر بأن زياد لم يكن دائما بهذه الصورة فعلا، لقد كان أكثر مرحا وأقل جدية، خالي الهم، نظرته للحياة مليئة بالألوان، لم يكن بهذه الجدية والسوداوية والإكتئاب، بل إنه كان رمزا للتفاؤل، لطالما كانت كلمته لأصدقائه: “لماذا كل هذه الجدية؟ الحياة لاتستحق كل هذا التعب والإنهماك”.                      لقد حصل شيء ما في حياته غيّر مجرى فكره وعقله. قد تكون هذه النرجسية مجرد غطاء يختبئ وراءه هروبا من أخطائه وعيوبه. أم هو هروب من ضعف وقلة حيلة أمام موضوع معين؟

زياد!! قل لي، ماذا حدث لك يارجل؟ أريدك كما كنت! ماذا حصل لتكون بهذا الشكل؟

نظر إليه زياد بعيون تملؤها أحاسيس غير معروفة وقال:

هل حقا تريد المعرفة؟ لك ذلك ياصاحبي، فإنك الوحيد الذي أئتمنه على أسراري. حالتي بإختصار غيرة ووحدة وعزلة وحزن ويأس وغرور وإنهماك وشتات فكري وروح ضائعة. أجد نفسي أبحث عن كل شي يسبب لي التعاسة، أنسج من خيالي قصص وأحداث فقط لكي أحزن.

زياد؟! ماهذا الكلام؟ عمَّ تتحدث؟

هدأ زياد قليلا وقال: لقد انتهت شخصيتي!! ولكن يبقى حلم وشبح ماتبقى مني. سأبقى كما انا ، وسأدع الزمن يتولى أمر حريتي. ادع لي ياصاحبي ، لقد أصبحت أتيقن بانني لن أجد مايجول في أعماق خاطري.

أخذ زياد رشفة من قهوته التركية ووجدها قد بردت وقال:

“فعلا إن للقهوة تأثير غريب في الصباح”

نظر إلى ساعته ووجدها تشير إلى الحادية عشرة صباحا، ووقف مودعا صاحبه الوفي فارس وقال: أراك في حياة أخرى ياصاحبي. ابتسم فارس ورد قائلا: في حياة أجمل ياصديقي.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.